ابن ظهيرة

140

الجامع اللطيف

ثم ما أعلم بلدة ينزل فيها كل يوم من رائحة الجنة وروحها ما ينزل بمكة . وإياك يا أخي ، ثم إياك أن تخرج من مكة ، فلو أنه لم يدخل عليك كل يوم غير فلسين حلالا لكان خيرا لك من ألفين في غيرها . والسلام عليك ورحمة اللّه وبركاته . انتهى ما نقل من « الرسالة » . وعن عائشة رضى اللّه عنها قالت : لولا الهجرة لسكنت مكة ، إني لم أر السماء بمكان أقرب إلى الأرض منها بمكة ، ولم يطمئن قلبي ببلد قط ما اطمأن بمكة ، ولم أر القمر بمكان قط أحسن منه بمكة أخرجه الأزرقي . ويروى أن قريشا وجدوا في الركن أو الكعبة كتابا بالسريانية فلم يدروا ما فيه حتى قرأه لهم رجل من اليهود فإذا فيه : أنا اللّه ذو بكة خلقتها يوم خلقت السماوات والأرض وصورت الشمس والقمر وحففتها بسبعة أملاك حنفاء لا تزول حتى يزول أخشباها مبارك لأهلها في الماء واللبن ، وفي رواية أخرى في الماء واللحم . والأخشبان هما جبلان : أبو قبيس والمقابل له ومكة بينهما . فصل فيما يدل على أفضلية مكة على غيرها من البلاد ( اعلم ) أن العلماء أجمعوا على أن مكة والمدينة زادهما اللّه شرفا وتعظيما أفضل بقاع الأرض ، ويليهما بيت المقدس ، ثم مكة أفضل من المدينة عندنا ، وعند الشافعية والحنابلة ووهب وابن حبيب من المالكية وهو قول الجمهور ، وروى عن جماعة من الصحابة رضى اللّه عنهم ويستدل على ذلك بأمور ( منها ) ما تقدم من الآيات . ( ومنها ) أن اللّه تعالى اختار من ولد آدم الأنبياء بجملتهم ثم اختار منهم الرسل ، ثم اختار منهم أولى العزم وفيهم أقوال وهم خمسة على الأكثر ذكرهم اللّه في سورتي الأحزاب والشورى ، والمراد بالعزم الحزم والصبر كذا قاله المفسرون . ثم اختار منهم خليله وحبيبه إبراهيم ومحمدا صلى اللّه عليهما وسلم واختار لهما من الأماكن خيرها وأشرفها وهي مكة جعلها اللّه مناسك لعباده مشاعر لوفده وقصاده ، وأوجب الإتيان إليها من القرب والبعد ودخولهم إليها متواضعين متخشعين متذللين كاشفين رؤوسهم مجردين عن لباس أهل الدنيا فهي خير البلاد وأشرفها .